فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واقعًا أمنيًا جديدًا في منطقة الشرق الأوسط، بعدما أثارت تداعيات المواجهة تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة التحالفات الأمنية التقليدية على توفير الحماية لدول المنطقة، في ظل تعرض عدد من الدول لهجمات مباشرة وتزايد المخاطر التي تهدد الملاحة والطاقة.
وقال علي فوزي، الباحث في الشأن الدولي، في تصريحات خاصة لـ«شبكة رؤية الإخبارية»، الأربعاء 9 سبتمبر 2026، إن الحرب كشفت عن محدودية الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» باعتبارهما الضامن الأساسي لأمن المنطقة، وهو ما يدفع دولًا إقليمية إلى إعادة صياغة خياراتها الدفاعية والبحث عن شراكات أكثر استقلالية.
وأوضح فوزي أن تأسيس «تحالف مكة للدفاع» بين السعودية وتركيا وباكستان يأتي في مقدمة المؤشرات على هذا التحول، خاصة مع بدء الدول الثلاث اتخاذ خطوات عملية لتحويل الاتفاق إلى إطار مؤسسي قادر على تنسيق المواقف والقدرات الدفاعية.
وكانت الرياض وأنقرة وإسلام آباد قد وقعت في 7 أغسطس اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي تنص على أن تعرض إحدى الدول الثلاث لهجوم مسلح يُعد اعتداءً على الدول الأعضاء كافة، بما يضع أساسًا لمفهوم الدفاع الجماعي بين أطراف التحالف.
ويرى الباحث أن هذا المبدأ يحمل تشابهًا واضحًا مع فلسفة الدفاع المشترك التي يقوم عليها «الناتو»، لكنه يعكس في الوقت ذاته رغبة إقليمية في بناء ترتيبات أمنية لا تعتمد بصورة كاملة على القوى الغربية.
أنقرة تعيد حساباتها
ويشير فوزي إلى أن تركيا تمثل نموذجًا مهمًا لهذا التحول، باعتبارها عضوًا في «الناتو» منذ عام 1952، لكنها تواجه خلال السنوات الأخيرة خلافات متزايدة مع واشنطن حول عدد من القضايا الإقليمية والاستراتيجية.
ويضيف أن الخلافات الأمريكية التركية، إلى جانب ملف التسليح وقضية مقاتلات F-35، ساهمت في تعقيد العلاقة بين الطرفين، بينما باتت أنقرة أكثر انفتاحًا على تنويع شراكاتها العسكرية والدفاعية.
وبحسب الباحث، فإن الحرب على إيران عمّقت هذه الحسابات، بعدما أثارت مخاوف بشأن احتمالات توسع الصراع وانعكاساته على أمن الخليج، فضلًا عن تداعياته على حركة التجارة وإمدادات الطاقة.
وفي هذا السياق، لفت فوزي إلى محاولات واشنطن طمأنة حلفائها في المنطقة، ومن بينها تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، معتبرًا أن هذه الرسائل لم تبدد بشكل كامل المخاوف المتعلقة بمدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل وتحمل تكلفة حماية حلفائها في أزمات كبرى.
«تحالف مكة».. قوة عسكرية واقتصادية
ويعتبر فوزي أن التحالف الجديد يستند إلى مزيج من عناصر القوة؛ فالسعودية تمتلك ثقلًا ماليًا واقتصاديًا كبيرًا، بينما تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعات دفاعية متطورة، في حين تمتلك باكستان قوة عسكرية وقدرات نووية.
وتتجه الدول الثلاث إلى تعزيز البناء المؤسسي للتحالف، من خلال إنشاء أمانة عامة في الرياض، مع تولي شخصية باكستانية منصب الأمين العام الأول لمدة ثلاث سنوات.
كما أن إعلان تركيا أن التحالف لا يستهدف دولة بعينها، وأنه يمكن أن يضم دولًا أخرى مستقبلًا، يفتح الباب أمام إمكانية تحوله من اتفاق ثلاثي إلى إطار أمني إقليمي أوسع.
من المظلة الأمريكية إلى التعددية الأمنية
ويخلص الباحث إلى أن التطورات الأخيرة قد تدفع دول الشرق الأوسط إلى تبني سياسة تقوم على تعدد الشراكات الأمنية والعسكرية، بدلًا من الاعتماد على قوة واحدة لتوفير الحماية.
ويرى أن «تحالف مكة للدفاع» قد يكون بداية لمسار جديد في المنطقة، يقوم على توظيف القدرات الذاتية للدول وتعزيز التعاون بين القوى الإقليمية، بما قد يمهد تدريجيًا لظهور نظام أمني متعدد الأقطاب.
وبذلك، لا تبدو تداعيات الحرب على إيران مقتصرة على ساحات القتال، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل حسابات الأمن والتحالفات في الشرق الأوسط، مع اتجاه متزايد نحو بناء ترتيبات دفاعية إقليمية أكثر استقلالًا عن المظلة الأمريكية.












