لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 مجرد معركة عبور لقناة السويس وتحطيم خط بارليف، وإنما كانت ملحمة عسكرية متكاملة شاركت فيها وحدات الصاعقة المصرية بمهام بالغة الخطورة خلف خطوط العدو، وكان من أبرز فصولها ما سطره رجال الكتيبة 183 صاعقة، التي ارتبط اسمها بعد الحرب بلقب «الكتيبة الشهيدة»، بعدما قدمت أعدادًا كبيرة من رجالها في واحدة من أكثر المهام فدائية في حرب أكتوبر.
مهمة بلا خطوط إمداد
مع انطلاق العمليات في السادس من أكتوبر، أُسندت إلى الكتيبة 183 صاعقة مهمة التواجد في عمق سيناء وتعطيل تقدم الاحتياطيات المدرعة الإسرائيلية، لإتاحة الوقت أمام القوات المصرية التي عبرت قناة السويس لإنشاء الكباري وتثبيت رؤوس الكباري شرق القناة.
وجرى دفع عناصر الكتيبة إلى محورين رئيسيين؛ أحدهما في الاتجاه الشمالي، بينما تحركت العناصر الرئيسية باتجاه منطقة الطاسة في وسط سيناء، في مهمة كان جوهرها منع القوات الإسرائيلية من الوصول سريعًا إلى قناة السويس وتهديد القوات المصرية التي بدأت عملية العبور.
كانت طبيعة المهمة شديدة الخطورة؛ فمقاتلو الصاعقة وجدوا أنفسهم في عمق سيناء، بعيدًا عن خطوط الإمداد، في مواجهة قوات مدرعة تمتلك الدبابات والمدفعية ووسائل نيران تفوق ما كان متاحًا للقوة المصرية الصغيرة، لكن عنصر المفاجأة والكمائن والقدرة على المناورة كانت أسلحة رئيسية في أيدي رجال الصاعقة.
سمير زيتون.. قائد يقاتل بذراع واحدة
ارتبطت قصة الكتيبة 183 صاعقة باسم قائدها الرائد سمير زيتون، الذي سبق حرب أكتوبر بسجل من البطولات في حرب الاستنزاف والعمليات خلف خطوط العدو.
وخلال تدريبات عسكرية في أنشاص، تعرض زيتون لحادث أدى إلى فقد ذراعه اليمنى، لكنه رفض أن تكون الإصابة سببًا في إبعاده عن العمل الميداني، واستمر في طريقه حتى تولى قيادة الكتيبة 183 صاعقة، ليخوض بها معركة أكتوبر وهو فاقد لإحدى ذراعيه.
وفي السادس من أكتوبر، تعرضت الطائرة التي كانت تقل زيتون وبعض عناصر الكتيبة أثناء عملية الإبرار لهجوم أدى إلى هبوطها اضطراريًا وسقوط ضحايا وإصابات، إلا أن القائد المصاب أصر على مواصلة تنفيذ المهمة بما تبقى معه من مقاتلين.
الطاسة.. صاعقة مصرية في مواجهة المدرعات
بعد وصول القوة إلى منطقة الطاسة، بدأت واحدة من أعنف مواجهات الكتيبة، إذ تقدمت قوات إسرائيلية مدرعة في محاولة للوصول إلى القناة ومواجهة القوات المصرية التي كانت تعبر شرقًا.
لكن رجال الكتيبة 183 صاعقة نصبوا الكمائن وفتحوا النيران على القوات المتقدمة، مستفيدين من طبيعة المهمة التي تعتمد على إيقاف العدو وتأخيره وليس الدخول في معركة تقليدية مفتوحة.
وتشير روايات متعددة إلى أن القوة التي قادها زيتون تقلصت إلى عدد محدود من المقاتلين، ومع ذلك تمكنت من الاستمرار في القتال وإعاقة تقدم القوات الإسرائيلية لفترة كان لها وزن كبير في حسابات معركة العبور. وتذكر روايات منشورة أن زيتون وقرابة 50 مقاتلًا واصلوا القتال بعد إصابة الطائرة، وتمكنوا من الصمود لساعات قبل صدور أوامر الانسحاب بعد إنجاز المهمة.
كمين المحور الشمالي.. الصاعقة تغلق الطريق أمام المدرعات
وفي الاتجاه الشمالي، نفذت إحدى سرايا الكتيبة 183 صاعقة بقيادة النقيب حمدي شلبي مهمة أخرى لمنع الاحتياطي الإسرائيلي من التحرك باتجاه قناة السويس.
واستعد رجال السرية للمعركة بزرع الألغام المضادة للدبابات ونصب الكمائن على المحاور التي يمكن أن تستخدمها القوات الإسرائيلية، قبل أن تبدأ المواجهة في الساعات الأولى من يوم 7 أكتوبر.
وعندما تقدمت الدبابات الإسرائيلية إلى منطقة الكمين، انفتحت عليها نيران الصاعقة من مواقع متعددة، وتذكر روايات صحفية أن السرية تمكنت من تدمير عدد من الدبابات والعربات الإسرائيلية، وتعطيل المحور الشمالي لعدة ساعات، وهو ما حقق الهدف الأساسي من المهمة: تأخير القوات الإسرائيلية ومنعها من الوصول سريعًا إلى قناة السويس.
مقاتلون أمام لواء مدرع
تكمن أهمية ملحمة الكتيبة 183 صاعقة في طبيعة المهمة نفسها؛ فالمقاتلون لم يدخلوا معركة تقليدية تتساوى فيها القوات في التسليح والإمداد، وإنما أُرسلوا إلى عمق سيناء لتنفيذ مهمة زمنية محددة، وهي تعطيل احتياطيات العدو إلى أن تتمكن القوات المصرية من تثبيت مواقعها شرق القناة.
وفي روايات عن المعركة، ظهرت شراسة مقاتلي الصاعقة بصورة دفعت القوات الإسرائيلية إلى التعامل مع القوة المصرية باعتبارها أكبر من حجمها الحقيقي، نتيجة انتشار أفرادها واستخدامهم للكمائن وتوزيع النيران على أكثر من اتجاه.
ويشير اللواء ماجد شحاتة، الذي تحدث عن عمليات الصاعقة في حرب أكتوبر، إلى أن الكتيبة 183 كانت من الوحدات التي دفعت ثمنًا باهظًا خلال تنفيذ مهمتها، موضحًا أن عددًا كبيرًا من مقاتليها استشهدوا ولم يعد منها سوى عدد قليل من الأحياء.
الكتيبة الشهيدة.. ثمن المهمة كان أرواح الرجال.
لم تكن مهمة الكتيبة 183 صاعقة مصممة لتحقيق مكسب عسكري تقليدي قائم على احتلال أرض أو الاحتفاظ بموقع لفترة طويلة، وإنما كان الهدف هو شراء الوقت للجيش المصري في اللحظات الأولى للحرب، وقطع الطريق أمام الاحتياطيات المدرعة الإسرائيلية حتى تستكمل القوات المصرية عبورها وتثبيت رؤوس الكباري.
ومن هنا ارتبط اسم الكتيبة بعد حرب أكتوبر بلقب «الكتيبة الشهيدة»، في إشارة إلى حجم الخسائر التي تحملتها خلال تنفيذ مهمتها، بعدما قاتل رجالها في ظروف بالغة الصعوبة، بعيدًا عن الدعم والإمداد، وفي مواجهة قوات مدرعة متفوقة في التسليح.
بطولة لم تكن في عدد الدبابات فقط
وتبقى قصة الكتيبة 183 صاعقة واحدة من الصفحات التي تكشف طبيعة حرب أكتوبر باعتبارها معركة تخطيط وتكامل بين مختلف أفرع القوات المسلحة، فلم يكن العبور ممكنًا فقط بالقوات التي اقتحمت القناة، وإنما احتاج أيضًا إلى وحدات تتحرك بعيدًا في عمق سيناء لتمنع الاحتياطيات الإسرائيلية من الوصول إلى منطقة القتال في التوقيت الذي يمكن أن يغير مسار المعركة.
وهنا جاءت مهمة رجال الكتيبة 183 صاعقة؛ مقاتلون محدودو العدد، خلف خطوط العدو، يواجهون تشكيلات مدرعة، ويعرفون أن مهمتهم الأساسية هي تعطيل العدو مهما كان الثمن.
وبينما بقيت أسماء كثيرة من أبطال حرب أكتوبر حاضرة في ذاكرة المصريين، ظلت الكتيبة 183 صاعقة واحدة من أكثر التشكيلات التي تختصر معنى التضحية في حرب العبور، بعدما تحول رجالها إلى حاجز بشري وناري أمام المدرعات الإسرائيلية، ودفعوا أرواحهم ثمنًا لنجاح مهمة أكبر: حماية عبور الجيش المصري وتثبيت أقدامه شرق قناة السويس.
ومن بين هؤلاء يظل اسم قائدها سمير زيتون حاضرًا باعتباره نموذجًا لمقاتل رفض أن تمنعه إصابته من العودة إلى الميدان، وقاد رجاله في واحدة من أصعب مهام الصاعقة المصرية، لتبقى الكتيبة 183 صاعقة شاهدة على فصل من فصول البطولة التي صنعت نصر أكتوبر 1973.

صورة أرشيفية لافراد الكتيبة
صورة الرائد سمير زيتون












