لم تبدأ حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر 1973، وإنما سبقتها سنوات من التخطيط العسكري والدراسة الدقيقة لقدرات القوات المسلحة المصرية وطبيعة المواجهة مع إسرائيل، حتى وصلت القيادة المصرية إلى صيغة عملياتية جمعت بين الطموح العسكري والإمكانات المتاحة على الأرض، وتحولت في النهاية إلى الخطة التي حملت اسم «بدر» ونُفذت على أساسها عملية العبور.
وكانت «جرانيت 2» إحدى المحطات المهمة في هذا المسار؛ إذ تعود جذورها إلى «العملية 41»، التي جرى تعديلها خلال عام 1972 وأُطلق عليها اسم «جرانيت 2». وتكشف الوثائق التي أفرجت عنها مصر لاحقًا أن عملية «بدر» جاءت نتيجة دمج وتعديل خطط سابقة، من بينها «جرانيت 2» و«المآذن العالية».
«جرانيت 2».. الطموح بالوصول إلى المضايق
كانت الفكرة الأساسية في «جرانيت 2» أكثر اتساعًا من مجرد عبور قناة السويس؛ فقد ارتبطت بتصور هجومي يستهدف عبور القناة وتحطيم خط بارليف ثم مواصلة التقدم شرقًا باتجاه منطقة المضايق في سيناء.
غير أن دراسة الواقع العسكري كشفت أن الوصول إلى هذه الأهداف كان يحتاج إلى قدرات كبيرة، خصوصًا في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي وصعوبة استمرار القوات المصرية في التقدم بعيدًا عن مظلة الدفاع الجوي الموجودة غرب القناة.
وهنا برزت أهمية إعادة تقييم الخطة وليس التخلي عن هدف استعادة الأرض، وإنما البحث عن الطريقة الأكثر واقعية لتحقيق أكبر مكسب عسكري في ظل الإمكانات المتاحة.
«المآذن العالية».. الخطة التي راعت حدود الإمكانات
في المقابل، ظهرت خطة «المآذن العالية»، التي ارتكزت على فكرة عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري شرق القناة على عمق محدود، بما يسمح للقوات المصرية بالعمل تحت حماية مظلة الدفاع الجوي.
وكان هذا التحول يعكس حسابًا عسكريًا بالغ الأهمية: المعركة لا تُخاض بما نريد فقط، وإنما بما تستطيع القوات تنفيذه والحفاظ عليه.
وتشير المصادر العسكرية إلى أن الخطة استهدفت التقدم لمسافة تقارب 10 إلى 12 كيلومترًا شرق القناة، وهي مسافة ارتبطت بقدرة القوات المصرية على الاستفادة من مظلة الدفاع الجوي وحماية رؤوس الكباري التي سيتم إنشاؤها بعد العبور.
من خطتين مختلفتين إلى عملية واحدة
ومع تولي الفريق أحمد إسماعيل وزارة الحربية والقيادة العامة للقوات المسلحة، جرى عرض التصورات المختلفة للعملية، وأصبحت الحاجة واضحة إلى صياغة خطة تجمع بين هدف العبور والتمسك بإمكانية تطوير الهجوم شرقًا.
وفي هذا السياق، جرى إعداد «جرانيت 2 المعدلة»، التي جمعت بين عناصر من خطة الوصول إلى المضايق وعناصر «المآذن العالية» الخاصة بالعبور وإنشاء رؤوس الكباري.
وبحسب الوثائق التي أفرجت عنها مصر، فإن «عملية بدر» دمجت بالفعل بين خطتين سابقتين، وهو ما جعلها أكثر من مجرد تغيير اسم لخطة قديمة؛ فقد كانت نتيجة سلسلة من التعديلات وإعادة صياغة الأهداف وفق الظروف العسكرية والسياسية.
سبتمبر 1973.. «جرانيت 2 المعدلة» تصبح «بدر»
قبل الحرب بنحو شهر، تغير الاسم مرة أخرى، وأصبحت الخطة تُعرف باسم «بدر»، بعد أن تحدد موعد الهجوم في السادس من أكتوبر.
وتوضح الهيئة العامة للاستعلامات أن اسم الخطة تغير في سبتمبر 1973 إلى «الخطة بدر»، ثم صدر «التوجيه 41» عن رئاسة الأركان لتنظيم عملية العبور.
وهكذا أصبح الاسم الذي سيُسجل في التاريخ مرتبطًا بالعملية التي بدأت بعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس الكباري شرق القناة.
لماذا لم تكن «بدر» مجرد خطة عبور؟
تكمن أهمية «بدر» في أنها لم تتعامل مع العبور باعتباره هدفًا منفصلًا عن باقي المعركة، وإنما قسمت العملية إلى مراحل؛ تبدأ بعبور القناة واقتحام الدفاعات الإسرائيلية وإنشاء رؤوس الكباري، ثم تأتي مرحلة لاحقة لتطوير الهجوم شرقًا وفق الظروف العملياتية.
وتشير دراسة أكاديمية إلى أن «عملية بدر» كانت الخطة الرسمية المتفق عليها مع الجانب السوري، وأن مرحلتها الأولى تضمنت العبور وإنشاء رؤوس الكباري، مع وجود تصور لمرحلة ثانية مرتبطة بالتقدم نحو المضايق، وبين المرحلتين «وقفة تعبوية» تسمح بإعادة تنظيم القوات قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة.
المفارقة.. الخطة الأكبر لم تختفِ وإنما تغيرت طريقة تنفيذها
اللافت في رحلة «جرانيت 2» إلى «بدر» أن التخطيط المصري لم ينتقل ببساطة من خطة إلى أخرى، وإنما مر بعملية مستمرة من المراجعة وإعادة التقييم.
فالفكرة الأصلية كانت أكثر طموحًا، بينما فرضت الإمكانات العسكرية ضرورة الوصول إلى صيغة أكثر واقعية. ومن هنا جاءت أهمية «المآذن العالية»، ثم «جرانيت 2 المعدلة»، وصولًا إلى «بدر».
وبذلك أصبحت خطة الحرب تعبيرًا عن معادلة دقيقة: تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف العسكرية، مع عدم دفع القوات إلى معركة تتجاوز قدراتها أو تخرج بها من مظلة الحماية التي توفرها وسائل الدفاع الجوي.
«بدر».. الاسم الأخير لخطة سبقتها سنوات من الحسابات
وعندما بدأت القوات المصرية عبورها في السادس من أكتوبر، لم تكن تتحرك وفق فكرة وُلدت في الأيام الأخيرة قبل الحرب، وإنما وفق حصيلة سنوات من التخطيط والتجارب والمراجعات.
من «العملية 41» إلى «جرانيت 2»، ومن «المآذن العالية» إلى «جرانيت 2 المعدلة»، ثم إلى «بدر»، تغيرت الأسماء وتطورت التفاصيل، لكن الهدف الأساسي ظل مرتبطًا باستعادة زمام المبادرة وفتح الطريق أمام استرداد الأرض المحتلة.
وتكشف الوثائق التي أفرجت عنها مصر أن «عملية بدر» لم تكن مجرد أمر عمليات صدر عشية الحرب، بل كانت نتاجًا لمسار طويل من التخطيط العسكري، شمل خططًا وخرائط وأوامر واتصالات وتفاصيل للخداع الاستراتيجي والتطورات الميدانية.
وهكذا، فإن قصة «بدر» تبدأ قبل السادس من أكتوبر بسنوات، داخل غرف التخطيط والخرائط العسكرية، حيث كانت القوات المسلحة المصرية تحاول الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف تعبر قناة السويس وتكسر خط بارليف وتحقق مكسبًا استراتيجيًا حقيقيًا في ظل تفوق الخصم؟
وكانت الإجابة التي استقرت عليها القيادة المصرية هي «بدر».. الخطة التي تحولت من أوراق وخرائط إلى عملية عسكرية أصبحت واحدة من أبرز عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث.













