تحتفل مصر في 21 أكتوبر من كل عام بعيد القوات البحرية المصرية، تخليدًا لواحدة من أبرز البطولات العسكرية في تاريخها الحديث، وهي إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» أمام سواحل بورسعيد عام 1967، في عملية جسدت شجاعة وكفاءة رجال البحرية المصرية، وأصبحت علامة فارقة في تاريخ الحروب البحرية عالميًا.
وتُعد القوات البحرية أحد الفروع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، وتضطلع بمسئولية حماية السواحل المصرية على البحرين المتوسط والأحمر، وتأمين الحدود والمياه الإقليمية، وحماية المجرى الملاحي لقناة السويس والموانئ والمنشآت البحرية، بما يدعم الأمن القومي المصري ويحافظ على المصالح الاستراتيجية للدولة.
تعود نشأة القوات البحرية المصرية الحديثة إلى عام 1946، عندما أُنشئ السلاح البحري الملكي بقرار ملكي، وتولى محمود حمزة باشا قيادته في 30 يونيو من العام نفسه، وشكّل ضباط البحرية والبحارة العاملون بمصلحة خفر السواحل النواة الأولى لهذا السلاح.
وفي 30 سبتمبر 1959، أُطلق عليه اسم القوات البحرية، ليصبح أحد الفروع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، ويتطور دوره وإمكاناته على مدار العقود التالية، وصولًا إلى امتلاك قدرات متنوعة في مجالات القتال البحري وحماية السواحل وتأمين خطوط الملاحة.
ويقع مقر قيادة القوات البحرية بمنطقة رأس التين في الإسكندرية، وتواصل القوات تنفيذ مهامها في حماية المياه المصرية والتصدي للتهديدات البحرية، إلى جانب المشاركة في تأمين المنشآت الحيوية والممرات الملاحية.
ارتبط عيد القوات البحرية المصرية بذكرى إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» يوم 21 أكتوبر 1967، بعد نحو أربعة أشهر من حرب يونيو، عندما رصدت القيادة المصرية استمرار المدمرة في الاقتراب من المياه الإقليمية المصرية أمام سواحل بورسعيد.
وجاءت العملية بعد صدور الأوامر بتدمير المدمرة، لتتحرك وحدات الصواريخ البحرية المصرية من قاعدة بورسعيد، في مهمة عكست دقة التخطيط وسرعة التنفيذ وكفاءة التعامل مع الأهداف المعادية.
واستخدمت القوات البحرية لنشات الصواريخ من طراز «كومر» السوفيتي، والمجهزة بصواريخ «ستيكس» سطح-سطح، حيث أطلق اللنش الأول صاروخًا أصاب المدمرة إصابة مباشرة، ثم أعقبه إطلاق صاروخ آخر، ما أدى إلى غرق «إيلات» في البحر المتوسط شمال شرق بورسعيد، مساء 21 أكتوبر 1967.
وشكّل هذا الانتصار نقطة تحول مهمة في تاريخ العمليات البحرية، إذ أثبتت العملية قدرة لنشات الصواريخ الصغيرة على تدمير قطع بحرية كبيرة، ولفتت أنظار العالم إلى الدور المتنامي للصواريخ البحرية في تغيير أساليب القتال في البحار
لم تكن عملية إغراق «إيلات» مجرد انتصار عسكري، بل جسدت نموذجًا للانضباط والاحترافية والقدرة على تنفيذ المهام الدقيقة في ظروف بالغة الصعوبة، كما رفعت الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية بعد حرب يونيو 1967.
وعقب غرق المدمرة، طلبت إسرائيل الاستعانة بجهات الرقابة الدولية لتنظيم عمليات إنقاذ الناجين، واستجابت مصر لطلب عدم التدخل في عملية الإنقاذ، في موقف عكس الالتزام بالقواعد الإنسانية رغم ظروف المواجهة العسكرية.
ولا تزال هذه الملحمة حاضرة في الوجدان الوطني المصري، باعتبارها رمزًا لتضحيات رجال القوات البحرية وإصرارهم على الدفاع عن الوطن، ودليلًا على أن التفوق العسكري لا يرتبط بحجم القطع البحرية وحده، وإنما يعتمد كذلك على التخطيط الجيد والتدريب والكفاءة في استخدام الإمكانات المتاحة.
تواصل القوات البحرية المصرية أداء دورها في حماية السواحل والمياه الإقليمية وتأمين الموانئ والمنشآت الحيوية، ومواجهة التهديدات التي قد تؤثر على أمن الملاحة والتجارة الدولية.
كما شهدت القوات البحرية تطورًا في قدراتها وتسليحها وتنوع وحداتها، بما يعزز قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والقتال البحري وتأمين خطوط الاتصال البحرية، والمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ ومواجهة المخاطر البحرية.
ويظل يوم 21 أكتوبر مناسبة وطنية لاستحضار بطولات رجال البحرية المصرية، وتكريم تضحياتهم في سبيل حماية الوطن، واستعادة واحدة من أهم صفحات الفخر في تاريخ العسكرية المصرية، حين تحولت مياه البحر المتوسط إلى مسرح لملحمة أثبتت للعالم كفاءة المقاتل المصري وقدرته على صناعة النصر.














