بقلم: الدكتور محمد الجوهرى
حمل خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر يوم الأربعاء الرابع عشر من أكتوبر رسائل تجاوزت استحضار النصر العسكري إلى مناقشة تحديات الدولة المصرية الراهنة وفي مقدمتها حماية الوعي الوطني والحفاظ على المؤسسات وتأكيد ثوابت السياسة المصرية تجاه السلام والأمن الإقليمي.
ويمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لربط دروس أكتوبر بمعركة الحفاظ على الدولة في الحاضر فاستعادة الأرض كانت تحتاج إلى إرادة وتخطيط وتماسك داخلي واستمرار التنمية يحتاج بدوره إلى مجتمع قادر على فهم التحديات ومؤسسات تستطيع التعامل معها.
الرسالة إلى الشعب المصري
ركز الرئيس على مخاطر الشائعات والتأثير في الذاكرة الوطنية وإضعاف إرادة المصريين واستدعى تجارب مرت بها البلاد ليؤكد أن الحفاظ على الدولة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمواطنين كما ميز في حديثه بين حماية الوطن وحماية شخص الرئيس وهو ما يمنح الرسالة بعدا يتعلق باستمرار الدولة ومؤسساتها عبر الزمن.
وتقديري أن الدلالة السياسية لهذا الطرح هي الدعوة إلى التعامل مع الضغوط الراهنة من منطلق المصلحة الوطنية طويلة الأجل مع إدراك أن اضطراب المؤسسات قد تكون تكلفته أكبر من المشكلات التي يسعى المواطن إلى تجاوزها.
لكن تعزيز هذه الرسالة على أرض الواقع يحتاج إلى إتاحة المعلومات والرد السريع على التساؤلات وتفسير القرارات بصورة واضحة فالثقة تنمو عندما يجد المواطن إجابة عن مخاوفه ويرى أن صوته يصل وأن مشكلاته اليومية تحظى باهتمام فعلي.
رسالة الدستور والاستقرار السياسي
كان تأكيد الرئيس عدم المساس بالدستور من أبرز ما حمله الخطاب إلى الداخل إذ جاء في سياق الرد على شائعات وتكهنات تتعلق بمستقبل الحكم وترتيباته.
ويمكن فهم هذا التأكيد باعتباره رسالة طمأنة بشأن المرجعية الدستورية للدولة ومحاولة لخفض مساحة الجدل والتكهنات السياسية.
وتتمثل أهميته المحتملة في تعزيز قابلية التوقع وهي مسألة يحتاج إليها المواطن كما يحتاج إليها المستثمر لأن وضوح قواعد إدارة الدولة يساعد على اتخاذ قرارات تتعلق بالعمل والاستثمار والتخطيط للمستقبل.
الرسالة الاقتصادية
استحضر الرئيس تجربة الإصلاح الاقتصادي في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وربطها بصعوبة القرارات الاقتصادية واستمرار تحديات بناء الدولة كما أشار إلى تأثير الاضطرابات السابقة على السياحة والاحتياطي النقدي والاستثمار.
والقراءة الاقتصادية لهذا الجانب هي أن الاستقرار يمثل شرطا أساسيا لاستمرار الإنتاج وجذب الاستثمار وحماية الموارد لكن نجاح الإصلاح يتطلب أيضا أن تكون تكلفته الاجتماعية محسوبة وأن يشعر المواطن بتحسن تدريجي في مستوى معيشته
ومن هنا فإن ترجمة الرسالة إلى نتائج تستدعي التركيز على زيادة الإنتاج والصادرات وفرص العمل وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجا وتوضيح العائد المنتظر من الإجراءات الاقتصادية.
فالخطاب يمكن أن يدعم الثقة لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحسن في الأسواق أو الأسعار ولا يصح اعتباره دليلا على صعود قريب للبورصة أو تغير محدد في سعر الصرف فهذه النتائج ترتبط بالسياسات والبيانات والتطورات الفعلية.
الرسالة إلى إسرائيل والعالم
أكد الرئيس أن مصر استعادت أرضها وأنها لا تحمل مطامع تجاه أحد أو أجندات خفية وأن معاهدة السلام تمثل الإطار الحاكم للعلاقات مع إسرائيل وجاء ذلك تعقيبا على تصريحات إسرائيلية بشأن سيناء كما أعاد تأكيد التمسك بحل الدولتين باعتباره طريقا لتحقيق سلام عادل ودائم.
وتحمل هذه المواقف في تقديري رسالة واضحة مفادها أن حماية الحدود والسيادة المصرية تسير مع الالتزام بالسلام وأن القاهرة تريد منع التصريحات التصعيدية من دفع المنطقة إلى مزيد من التوتر.
واختيار مناسبة نصر أكتوبر لتأكيد هذا الموقف يمنحه دلالة خاصة فالحديث عن السلام يأتي في سياق استحضار قدرة مصر على الدفاع عن أرضها وهو ما يعكس الجمع بين قوة الدولة ومسؤوليتها في تجنب التصعيد.
أما إعادة طرح حل الدولتين فتعني أن الرؤية المصرية للاستقرار الإقليمي ترتبط بوجود تسوية سياسية للقضية الفلسطينية توفر أساسا لاستمرار السلام وتحد من تجدد الصراع.
التداعيات المتوقعة
على المستوى الداخلي قد يسهم الخطاب في توضيح موقف القيادة من القضايا التي أثارت تساؤلات خلال الفترة الأخيرة وفي إعادة توجيه النقاش إلى حماية المؤسسات والاستقرار الدستوري وتظل قوة هذا الأثر مرتبطة بما يتبعه من تواصل وشفافية واستجابة لمشكلات المواطنين.
وعلى المستوى الخارجي يمكن أن يساعد في توضيح النوايا المصرية وتقليل سوء التقدير وإعادة تأكيد أن القاهرة تتمسك بالسلام وبحماية أمنها القومي في الوقت نفسه لكن خفض التوتر يظل مرهونا بسلوك الأطراف الأخرى والتطورات الميدانية والسياسية
وتبقى الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من الخطاب أن الحفاظ على مكتسبات أكتوبر يتطلب دولة قوية ومجتمعا متماسكا واقتصادا منتجا وأن تحويل هذه الرسالة إلى واقع يحتاج إلى مشاركة المواطنين وبناء الثقة وتحقيق نتائج ملموسة في حياتهم اليومية.












