القلب في سيره إلى الله كالطائر…. فالمحبة رأسه…… والخوف والرجاء جناحاه…….. فإذا سَلِم الرأس والجناحان استقام طيرانه…… وإذا فُقد الرأس مات…….. وإذا فُقد جناحاه كان عرضة لكل آفة. ……هذا التشبيه من أشهر ما يُستشهد به في الحديث في كتب التزكية و أعمال القلوب وهي كلمات سطرها ابن القيم في كتابه مدارج السالكين
لا تقرأ كتب التزكية بعينيك فقط فسطورها ليست مجرد صفحات تُقرأ…. بل هي دروبٌ تُسلك….نعم فهي لا تكتفي بتعليم الإنسان ما ينبغي أن يعرف…. بل تأخذه في رحلة من معرفة النفس إلى معرفة الله….. ومن مجاهدة الهوى إلى سكينة القلب….. ومن اضطراب الدنيا إلى طمأنينة الإيمان
مدارج السالكين….. رحلةٌ تُعاش بين دفتي كتاب ورفقة طويلةٌ للقلب وهو يشق طريقه إلى الله فإذا كانت بعض الكتب تُثري العقل بالمعرفة…… فإن هذا الكتاب يوقظ القلب للحياة،… ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه حتى يغدو كل مقام من مقاماته خطوةً نحو صفاء النفس….. وكل صفحةٍ مرآةً يرى فيها القارئ عيوبه وآماله….وايضا خوفه ورجاءه.
لقد نسج الإمام ابن قيم الجوزية هذا الكتاب الخالد من خيوط القرآن الكريم والسنة النبوية…. فجمع بين رسوخ العالم….. وبصيرة المربي…… وبلاغة الأديب. ولم يكتفِ بوصف الطريق….. بل ايضا سار بالقارئ في منازله…… يعرّفه بعقباته كما انه يكشف له أسرار القلوب……. ويبين أن العبودية ليست مجرد طقوسًا تؤدى…..وإنما هي حياةٌ تُبنى وقلبٌ يتطهر وروحٌ ترتقي حتى تبلغ مقام ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
ولعل سر خلود هذا الكتاب أنه يخاطب الإنسان في كل زمان…. لأن معركة القلب مع الهوى وغفلته….. وشوقه إلى الطمأنينة لا تنتهي. لذلك بقي «مدارج السالكين» منارةً لكل من أراد أن يجعل من الإيمان سلوكًا….ومن العبادة حياةً….. ومن السير إلى الله رحلةً لا تنقضي إلا بلقائه سبحانه
«منازل السائرين» و«مدارج السالكين» كتابين لا يُقرأ أحدهما بمعزل عن الآخر…… بل هما كأنهما نهرٌ واحدٌ جرى في زمنين فهما يحملان المعنى نفسه ويختلفان في صفائهما واتساعهما وامتدادهما فالأول وضع اللبنات الأولى لمسالك السير إلى الله كما أنه رسم المنازل الكبرى التي يمر بها القلب في رحلته إلى ربه…….أما الثاني فجاء ليعيد بناء تلك المنازل بروحٍ شارحةٍ يفتح مغاليق النفس ويكشف دقائقها ويقرّبها من فهم السالك ووجدان المريد.
«منازل السائرين» أشبه بخريطةٍ موجزةٍ دقيقة فهو يشير إلى المقامات إشاراتٍ جامعة أما «مدارج السالكين» هو الرحلة نفسها وقد اتسعت صفحاتها…. وتكاثرت ظلالها….. وتجلّت فيها المعاني في ثوبٍ من البيان والتحليل والتربية هنا يختصر الإمام الهروي الطريق في عباراتٍ محكمة. أما هناك يمحص ابن قيم الجوزية النصوص فيستخرج من معين القرآن والسنة ما يحيي المعنى في القلب ويثبته في السلوك.
كتاب منازل السائرين للإمام الهروي يعرض عدة مباحث عميقة للنفس في طريق التزكية و منها
اليقظة وهي بداية رحلة القلب حين يستفيق الإنسان من غفلته
و التوبة وانها ليست رجوعًا عن الذنب فقط بل عودة دائمة إلى الله.
و المحاسبة والمراقبة وهي مراقبة القلب قبل العمل وبعده.
الصبر والرضا وهو الثبات على الطريق وقبول أقدار الله.
كما أن التوكل يعني الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب.
والمحبة والشوق فإنها بلوغ القلب منزلة يأنس فيها بالله.
أما التوحيد فهو نهاية الطريق وغاية السالكين.
أما مدارج السالكين لابن القيم فهو يعد تفسير لقوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وجعلها أساس السير إلى الله.
منها منزلة الإخلاص وأثرها في قبول الأعمال.
وحياة القلب وأمراضه وسبل شفائه.
و العلاقة بين الخوف والرجاء والمحبة وأنها أركان العبودية الثلاثة.
و منزلة الصبر وأنواعه وثمراته.
والرضا بوصفه من أعلى مقامات الإيمان.
أما الذكر فدوره في إحياء القلوب في غاية الأهميه
و التوكل وحقيقته بعيدًا عن التواكل.
والأنس بالله والقرب منه.
والتحذير من العجب والرياء والغفلة،…..وبيان أثرها في إفساد القلب.
«طريق الهجرتين وباب السعادتين» للإمام ابن قيم الجوزية هو ايضا من أعمق كتب السلوك الإيماني……. إذ يصور رحلة الإنسان إلى الله على أنها هجرةٌ لا تنقطع فهي تبدأ بهجرة القلب من الغفلة إلى اليقظة ومن التعلق بالمخلوق إلى التعلق بالخالق ومن أسر الهوى إلى رحابة الطاعة والمحبة.
كما يرسم ابن القيم معالم هذه الرحلة من خلال أعمال القلوب فهو يجعل الإخلاص والتوكل والصبر والرضا والمحبة واليقين محطاتٍ يرتقي بها السالك حتى يبلغ القرب من الله……..كما أنه يؤكد أن السير إلى الله ليس بكثرة الأعمال وحدها…….وإنما بحياة القلب وصدق الوجهة فالقلب هو موطن الهجرة الحقيقية وكلما ازداد صفاءً ازداد صاحبه قربًا من ربه.
ويمتاز الكتاب بجمعه بين قوة الاستدلال من القرآن والسنة وعمق التحليل النفسي والإيماني مع أسلوب يجمع بين دقة العالم وبلاغة الأديب. لذلك بقي عبر القرون زادًا للمريدين ودليلًا لكل من أراد أن يحول العبادة من عادةٍ يؤديها الجسد إلى رحلةٍ تعيشها الروح في طريقها إلى الله.
وإذا أردت أن تبحر أكثر في ترقية النفوس فيُعد «مختصر منهاج القاصدين» للإمام ابن قدامة المقدسي من أبرز كتب تهذيب النفس والتربية الإيمانية……يقدم خلاصةً نقيةً في تزكية القلوب وإصلاح السلوك ….. مستندًا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية. ويأخذ بيد السالك في رحلة تبدأ بإصلاح الظاهر والباطن وتمر بتهذيب الأخلاق ومجاهدة الهوى ومحاسبة النفس حتى تبلغ مقام الإخلاص والقرب من الله.
ويمتاز الكتاب بأسلوبه الواضح وترتيبه العملي فهو لا يكتفي ببيان الفضائل بل يكشف أيضًا أمراض القلوب كالكِبر والرياء والحسد والغفلة ثم يرشد إلى سبل علاجها جامعًا بين العلم والتطبيق…… لذلك ظل على مر العصور دليلًا للمربين والسالكين وزادًا لكل من أراد أن يجعل العبادة طريقًا لإحياء القلب لا مجرد أعمال تؤديها الجوارح.
و في سطور «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية تبرز منزلة الذكر في حياة المسلم….. أنها ليست مجرد ألفاظ تُردد…… بل عبادة تُحيي القلب وتغذّي الروح وتقوّي الصلة بالله……. ويشرح ابن القيم أن الذكر هو مفتاح الطمأنينة وسبب لانشراح الصدر وحصنٌ من الغفلة ووساوس الشيطان مستدلًا بقوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
كما يبيّن الكتاب أن كثرة الذكر مع حضور القلب تُثمر محبة الله والإنابة إليه واليقين به وهي من الصفات التي يرتقي بها المؤمن في منازل السالكين إلى الله…… ويربط ابن القيم بين الذكر وأعمال القلوب مؤكدًا أن المقربين من الله لم يبلغوا منزلتهم بكثرة الأعمال الظاهرة وحدها وإنما بصدق الإخلاص ودوام المراقبة واستمرار ذكر الله في السر والعلن حتى صار الذكر حياةً لقلوبهم ومنهجًا لسلوكهم.
وبذلك يقدم الكتاب رؤية متكاملة تجعل الذكر وسيلةً لتزكية النفس والارتقاء في مقامات الإيمان والسير بثبات نحو رضا الله والقرب منه.
الذكر في الإسلام ليس مجرد تمتمة باللسان بل هو نبض الحياة في عروق المؤمن وقد صوّر البيان النبوي هذا المعنى بأبلغ تشبيه حين جعل الذكر فارقاً جوهرياً بين الوجود والعدم نعم فالمؤمن الذي يلهج بذكر الله كائن حي يفيض بالنور والوعي بينما الغافل عن الذكر كمثل الميت الذي سكنت حركته وبليت روحه وإن كان يمشي بين الأحياء. هو الغيث الذي إذا نزل بتربة القلب اخضرت بالإيمان وأثمرت كظلال وارفة تلجأ إليها النفوس المتعبة. ….. فكلما عصفت بالمرء رياح الهموم يجد في تسبيحه وتحميده حصناً منيعاً مصداقاً للبيان الإلهي الذي يربط الطمأنينة بالذكر ……..
فحين تتسابق النفوس في ميادين الطاعات يتربع الذكر على عرش العبادات كأيسرها مؤونة وأعظمها ثواباً إنه تجارة لن تبور وعمل لا يحتاج إلى مشقة البدن أو إنفاق المال بل هو خفقان قلب وجريان لسان بـ “سبحان الله وبحمده” تثبت موازين الأجور وتبعدك عن سفاسف الدنيا وتغرس لصاحبها الأشجار في رياض الجنة هو العبادة التي امتدح الله المكثرين منها وجعلهم في مقدمة الركاب السائرين إليه.
أثر التراث الإسلامي لا يعد بقايا ماضٍ انقضى بل هو ميراثٌ حيٌّ تتوارثه الأرواح كما تتوارثه العقول….. ففي صفحاته تنبض أنوار الوحي وتتجلى ثمرة اجتهاد العلماء وتجارب العارفين وحكمة المربين الذين أفنوا أعمارهم في تهذيب النفوس وتقويم القلوب. ومن بين كنوزه النفيسة برزت كتب التزكية والسلوك لا لتضيف إلى القارئ معلومات جديدة فحسب بل لتصنع فيه إنسانًا جديدًا يراقب قلبه قبل جوارحه ويجاهد هواه قبل خصومه ويجعل من سيره إلى الله غاية عمره كلها.
ولهذا بقيت هذه الكتب حيةً رغم تعاقب القرون لأنها تخاطب ما لا يشيخ في الإنسان قلبه وشوقه إلى الطمأنينة وحنينه إلى القرب من الله…….. وكلما ازدادت ضوضاء الحياة ازدادت الحاجة إلى العودة إلى هذا التراث لنستضيء بحكمته وننهل من معينه ونجد فيه زادًا يعيننا على الثبات ويعيد إلى الروح صفاءها وإلى القلب سكينته وإلى الطريق وضوحه.












