أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن الثقافة تمثل أحد أهم أدوات بناء الإنسان والدولة، وتسهم في ترسيخ منظومة القيم وتجديد الهوية الوطنية وتعزيز الحوار المجتمعي، مشددًا على أن دور وزارة الثقافة يتجاوز إدارة المؤسسات الثقافية إلى تنفيذ مشروع وطني يعزز الانتماء ويصون التنوع ويفتح آفاق الإبداع والمعرفة.
جاء ذلك خلال مشاركته في جلسة «الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية»، ضمن محور «بناء الإنسان» بفعاليات اليوم الأول من «منتدى مصر 2026»، الذي انطلقت فعالياته بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء.
وشهدت الجلسة مشاركة عدد من الوزراء والمسؤولين والشخصيات العامة والمثقفين والفنانين، وأدارها الكاتب الكبير محمد سلماوي، حيث تناولت دور الثقافة في تشكيل القيم المجتمعية، وتعزيز الهوية الوطنية، ومواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.
وأوضح قنصوة أن الثقافة تمثل الوسيلة التي تنتقل من خلالها القيم بين الأجيال، مؤكدًا أهمية دعم الإنتاج الأدبي والفني الذي يعزز المسؤولية والتسامح واحترام القانون والعمل والتكافل، إلى جانب توسيع نطاق الأنشطة الثقافية لتشمل القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يضمن إتاحة الثقافة باعتبارها حقًا عامًا لجميع المواطنين.
وأشار إلى أهمية إحياء التراث الشعبي وتمكين الأطفال والشباب من التعبير والإبداع، بما يعزز التماسك الاجتماعي والثقة بالنفس وروح المبادرة، لافتًا إلى أن الثقافة تسهم كذلك في بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين المعرفة والمعلومات المضللة.
وأكد القائم بأعمال وزير الثقافة ضرورة تعزيز القراءة ونشر المعرفة من خلال المكتبات العامة والمنصات الرقمية، ودعم المسرح والسينما والفنون باعتبارها أدوات فعالة لمناقشة القضايا المجتمعية، مع توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي للوصول إلى الشباب عبر الوسائط الرقمية.
وشدد قنصوة على أن الهوية الوطنية لا تقتصر على استدعاء الماضي، وإنما تقوم على القدرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال الحفاظ على التراث المادي وغير المادي وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة حديثة، وإبراز التنوع الثقافي المصري، وتعزيز حضور اللغة العربية مع الانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى.
وأضاف أن القوة الناعمة تمثل إحدى الأدوات المهمة لتعزيز تأثير مصر إقليميًا ودوليًا، مؤكدًا أهمية دعم السينما والموسيقى والمسرح والفنون البصرية، وتوسيع التبادل الثقافي مع الدول والمؤسسات الدولية، وتوظيف المهرجانات والفعاليات في إبراز الحضارة المصرية، ودعم المبدعين باعتبارهم سفراء للثقافة المصرية حول العالم.
وفيما يتعلق بتعزيز منظومة القيم المجتمعية، أوضح أن العمل الثقافي يسهم في ترسيخ القيم المشتركة وتشجيع الحوار وقبول الاختلاف واحترام التنوع، ومواجهة الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية من خلال الفكر والإبداع والمعرفة، مؤكدًا أن تحقيق هذا التأثير بصورة مستدامة يتطلب الإقناع وتوسيع المشاركة الثقافية وإتاحة المعرفة.
وأشار إلى عدد من الأولويات اللازمة لتطوير العمل الثقافي، في مقدمتها إعداد استراتيجية وطنية للثقافة ترتبط برؤية مصر 2030، وتعزيز التكامل مع وزارات التعليم والتعليم العالي والشباب والأوقاف والإعلام، وتسريع التحول الرقمي للمؤسسات الثقافية، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا قادرًا على توفير فرص العمل، مع وضع مؤشرات لقياس الأثر الثقافي والوصول إلى المواطنين.
واستعرضت الجلسة أبرز مؤشرات وإنجازات وزارة الثقافة خلال الفترة من 2014 إلى 2026، حيث شهد قطاع البنية التحتية إنشاء وإحلال وتجديد ورفع كفاءة 176 موقعًا ثقافيًا متنوعًا، بتكلفة إجمالية بلغت 5.3 مليار جنيه.
وشملت المشروعات قصور وبيوت الثقافة والمسارح والمكتبات العامة والمتاحف الفنية والمعاهد المتخصصة، إلى جانب تطوير عدد من المنشآت الثقافية والفنية، من بينها المسرح القومي، وقصر ثقافة الغردقة، ومسرح السامر بالعجوزة، وقصر ثقافة أبو سمبل، ومبنى دار الكتب والوثائق القومية بالفسطاط.
كما يجري العمل على استكمال 44 موقعًا ثقافيًا بتكلفة إجمالية تبلغ 6.5 مليار جنيه، تشمل عددًا من قصور الثقافة والمتاحف والمسارح ومشروعات تطوير البنية الثقافية في مختلف المحافظات.
وفيما يتعلق بالأنشطة والبرامج الثقافية، كشفت المؤشرات عن تنفيذ أكثر من 169 ألف نشاط ضمن برنامج تعزيز القيم الإيجابية، استفاد منها أكثر من 16 مليون مواطن، إلى جانب تنظيم 4649 فعالية لمكافحة التطرف الفكري، استفاد منها أكثر من 707 آلاف مواطن.
كما شهد برنامج تنمية الموهوبين والنابغين تنفيذ أكثر من 320 ألف فعالية وورشة ودورة تدريبية، استفاد منها نحو 6.4 مليون فرد، فيما تضمن برنامج تطوير المؤسسات الثقافية تقديم أكثر من 14 ألف ورشة تدريبية لرفع كفاءة العاملين، فضلًا عن إتاحة أكثر من 84 ألف خدمة مميكنة ورقمية.
وفي إطار تعزيز الريادة الثقافية والقوة الناعمة المصرية، نظمت الوزارة 645 مهرجانًا دوليًا و8208 فعاليات لتعزيز الانفتاح على الثقافات المختلفة، إلى جانب 393 نشاطًا في مجالات الفنون التشكيلية والمعارض والبيناليات والملتقيات والمسابقات الدولية، تجاوز عدد المستفيدين منها، بالحضور أو المتابعة عبر الإنترنت، 183 مليون مواطن.
كما تضمنت جهود حماية التراث الثقافي ترميم 1,552,148 مقتنى تراثيًا، وتقديم أكثر من 19 ألف عرض للفرق التراثية، وتنظيم 4604 فعاليات مرتبطة بالحرف التراثية، استفاد منها أكثر من 1.7 مليون مواطن.
وفي مجال الصناعات الثقافية، أصدرت الوزارة أكثر من 10 آلاف إصدار في مجال الكتب والنشر العام، ونظمت أكثر من 9 آلاف عرض مسرحي وحفل فني، استفاد منها أكثر من 711 ألف مواطن، إلى جانب تنفيذ 6918 ورشة ودورة تدريبية في مجال الحرف التراثية.
وعلى صعيد تحقيق العدالة الثقافية، نُفذت 118,426 فعالية متنوعة شملت مهرجانات المحافظات والقوافل الثقافية والأنشطة الموجهة إلى المحافظات الحدودية، واستفاد منها أكثر من 502 ألف مواطن.
واختتمت الجلسة بمناقشة التحديات المرتبطة بالفجوة بين القيم والسلوك المجتمعي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ودور المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية، بالتعاون مع الأسرة، في ترسيخ القيم الوطنية والإنسانية.
وأكد قنصوة أن نجاح العمل الثقافي لا يُقاس فقط بعدد المسارح والمعارض والكتب المنشورة، وإنما بقدرته على بناء مواطن أكثر وعيًا وانتماءً وإبداعًا، مشددًا على أن الثقافة تمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الوطن، وتسهم في تحويل الهوية الوطنية إلى قوة حية تدعم التقدم وتوحد المجتمع حول قيمه المشتركة.












